
غالباً ما أجد نفسي و أنا احاول ان أحلل بعض الأحداث منساقاً (رغماً عني) نحو ما أسميه (التأملات الأنثروبولوجية) إن صح التعبير … جملة صغيرة لكنها في الحقيقة تحمل كما مهولا من التساؤلات .. كيف يعيش الإنسان؟ كيف يفكر؟ كيف ينتمي؟ كيف تُشكّل الثقافة رؤيته وسلوكه؟.
ومن هذا الباب بالذات جاء هذا العنوان *(الدلكة و الدلوكة)* … كلمتان تبدوان وكأنهما واقفتان في طرفين متناقضين، لكن الحقيقة أنهما يشتركان في جوهر واحد هو (الإثارة).
و المفارقة أن (الإثارة) في الأولى (الدلوكة) تدفع نحو القتال والدم… بينما (الإثارة) في الثانية (الدلكة) تدفع نحو الحياة الجديدة والحب وميلاد جيل قادم.
ومما يزيد الدهشة أن (الاداة) المعتمد عليها لتحقيق النتيجة المطلوبة في الحالين هي اليدين:-
يد (تدق الدلوكة) وتشعل نار الحماسة…
ويد (تدلك الجسد) و توقظ رغبة الحياة وحلال متعها
وما بين (الضربة والدلك)… توجد قصة السودان.
(الدلوكة) … إيقاع الدم والحماسة .. الدلوكة آلة بسيطة جداً تتكون الطين اللبن والقش ..تماماً مثل بيوتنا القديمة بيوت (الجالوص) وهي في الاصل ليست فخارية كما نراها في هذا الزمن .. لا تُحرق في النار… بل مجرد طين لبن خلطه مع القش يكسبه تماسك و قوة بعد جفافه يُشد على احد جوانب تجويفها المخروطي جلد الاغنام بعد معالجته البسيطة
لكن رغم بساطتها تشتعل بها الحماسة وتقوم بها الفزعات وتُرفع بها الرايات، وتُوقف بها صفوف الرجال في عادة (البطان).. ولمن لا يعرف البطان او يشهده فهو الجلد والضرب (بالسوط) حين يشتعل (صوت ) الدلوكة فهو ليس مجرد (جلد)…
بل هو إعلان شجاعة، ودم يسيل، وزغاريد في الخلف، ودلوكة تضرب وتضرب كأنها لا تتعب و قد لخص ذلك الشاعر عمر الدوش في رائعته التي غناها الكابلي:
(دقّت الدلوكة قلنا…. الدنيا ما زالت بخير)
الدلوكة حماسية (جماعية) … صاخبة… تحتاج جمهوراً حتى تشتعل كما انها (إثارة) بـ (حاسة) واحدة هي (السمع) صوت واحد قادر على إشعال قبيلة كاملة، ورفع رجالها للضرب والدم.
اما (الدلكة) فهي صناعة الحياة و نشوة خاصة جداً تشعل كل الحواس.
فهي في المقابل، صناعة معقدة جداً، لا يؤديها إلا الخبيرات تحتاج صبراً، وتعاوناً، وناراً، وعطوراً، وتدخيناً… وكأنها (طقس مقدس) لا يتم إلا بشروط معينة فمن عملية العجن الاساسية بعد الطحن للذرة او الدخن او غيره بالعطور المختلفة والمناقيع المعقدة تتكون العجينة المتماسكة الجاهزة لعملية (كفّي الدلكة) الطويلة و التدخين بأخشاب الطلح والشاف او احدها حتى يتحول لون العجين للون بني داكن نتيجة التدخين وتشبع العجينة بالدخان والعطور المضافة في كل (كفية)
ثم تكوير العجين للادخار الطويل (للدلك) عند اللزوم …
ويوم (كفي الدلكة) وحده يعتبرونه مناسبة وطقس خاص وكلها طقوس للتهيئة والجاهزية لليلة من ليالي العمر (الدلكة) لا تكتفي بحاسة واحدة تبدأ بالشم ولا تنتهي باللمس و (القرمصيص) والوان وطقوس (الاثارة) لكل الحواس…
توضع الدلكة في شكل كرات على اناء محكم الغطاء لتخزينها ..فتكون مادة لدلك البشرة للزوجين (عند اللزوم) بها رائحة رائعة وجميلة تهيئ الاطراف لعلاقة حميمية طويلة بعد لقاء بين (الدلكة و البوخة) على جسد الانثيىو البوخة حكاية اخرى ربما نفرد لها مساحة اوسع لكن اليكم ما قاله عنها شاعر الحقيبة ود الرضي في اغنية (ست البيت):-
ما قالت بقيت حبوبة
و خلت بوختها المحبوبة
لوجاءت من رياحا هبوبة
بتحي عروقك المهبوبة
وهو يعني ان (البوخة) تفعل افاعيلها بالرجل مهما كان حاله فالبوخة لها قدرات هائلة في الاثارة …… و (دا ما موضوعنا)…
لان نركيزي في هذا الشأن علي المفارقة الكبرى
وما يحيرني حقاً هو الآتي:-
لماذا (الإثارة) نحو الحماس والدماء سهل إلى هذا الحد؟
مجرد (دلوكة تدق)… تنهض الجموع، يرتفع (الصوت) و (السوط) و يبدأ (البُطان) اما (ايقاع النحاس) فهو الاكبر حجماً و سوطاً فيُخرج الخيول والسيوف والبنادق.
بينما (إثارة الحياة)… و تهيئة جسدين لحب وبداية جديدة… مليئة بالتعقيدات، والطهي، والدخان، والدلك، والعجن، والطقوس الطويلة.
لماذا الدم في ثقافتنا سهل ومتاح وسريع؟.
ولماذا (الحياة) صعبة ومكلفة ومخنوقة بالشروط..
الدلوكة في الحرب… والدلكة في السلام.
ولو تأملنا ما نعيشه اليوم في ظل الحرب (السودانية السودانية) سنجد أن الدلوكة ما زالت حاضرة بنفسها و بروحها :-
الإعلام يدق…
والبيانات تدق…
والشائعات تدق…
والقونات يغنين على ايقاع الدلوكة
والقادة يدقون على طبول الحرب كل بطريقته.
و بمثل ذلك الإيقاع القديم… المتجدد بـ(قوناته) المغنيات الراقصات
ينهض الناس…
ويندفعون…
ويغرقون في الدم.
أما الدلكة التي تُعد للحياة فلا صوت انداء (الحبوبات) لـ(كفي الدلكة) ولا روح او صوت للحياة القديمة لاجل حياة جديدة قادمة في هذه الحرب اللعينة … فرائحة (الدلكة) وطقوسها لا تصل إلى الملاجئ والازواج مشردون وجائعون والاجساد مرهقة والارواح هائمة فلا (دلكة) تستطيع أن تدلك جداراً تهدّم أو روحاً انكسرت.
لذلك تظل المفارقة قائمة
نحن شعب (سريع الانفعال) بالحرب… (بطيء) جداً في تجهيز (الحياة) ننهض (للدلوكة) خلال دقيقة… ونحتاج شهوراً وربما سنين لصنع (دلكة حياة) ترجع الناس لبعضهم.
و خاتماً متى نغيير الإيقاع؟
و ربما السؤال الحقيقي هل يمكن لشعب اعتاد أن تتحكم فيه (دلوكة الحرب) أن يتفرغ لصناعة (دلكة الحياة)؟
هل يمكن لبلد يتحرك بالدم السريع أن يتعلم طقوس الشفاء البطيئة؟
ربما عندما نفهم أن الضربة التي (تهيّج للحرب) و الدّلك الذي (يهيّئ للحب) كلاهما من صنع يد سودانية واحدة.
اليد نفسها التي (تضرب) يمكنها أن (تدلك).
اليد التي تصنع (الحرب)…
هي نفسها القادرة على صنع (الحب) و الحياة فقط لو غيّرنا الإيقاع.
27/11/2025
mtalab437@gmail.com



